محمد بن محمد ابو شهبة

394

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

أمه ، واستأذن ربه في الاستغفار لها - كما روى الحاكم وغيره - فتساهل لا يليق بمثله ، فإنها لا تعادل رواية الصحيح ، وقد رد الإمام الذهبي في « مختصر المستدرك » تصحيح الحاكم ؛ لأن في إسناده أبا رزين هانىء وقد ضعّفه ابن معين ، وله علّة ثانية وهي مخالفته للمقطوع بصحته في البخاري من نزولها عقب موت أبي طالب ، وهو كلام حسن . ولعل تأويل الزرقاني أولى وأقرب من تأويل الحافظ ابن حجر ؛ لأنه يبعد أن يستمر النبي بضع سنوات يستغفر لعمه حتى نهي بعد . رواية لابن إسحاق وروى ابن إسحاق أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قال له : « قل كلمة أستحلّ لك بها الشفاعة يوم القيامة » ورأى حرص رسول اللّه قال : « ابن أخي ، واللّه لولا مخافة السبّة عليك ، وعلى بني أبيك من بعدي ، وأن تظن قريش أني قلتها جزعا من الموت لقلتها ، لا أقولها إلا لأسرك بها » قال الراوي : فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه ، فأصغى إليه بأذنه ، فقال : يا ابن أخي ، واللّه لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لم أسمع » . وهي رواية ضعيفة ؛ لأن فيها من لم يسمّ « 1 » ، فأحد رواتها مجهول ، ولعل البلاء منه ، ولو أن العباس - رضي اللّه عنه - شهد بذلك بعد ما أسلم لقبلت روايته ، أما وقد ذكر ذلك عنه قبل إسلامه فهي رواية غير مقبولة ، لأن السند إليها لا يثبت كما قلنا ، وأيضا فهي تعارض ما روي في الصحيحين وغيرهما . فالصحيح أن أبا طالب مات على دين قومه ، وهو الذي دلّت عليه الأحاديث الصحيحة التي رواها الشيخان وغيرهما ، وأما ما روي من أنه أسلم فهي روايات ضعيفة وموضوعة ، وقد عرض لها الحافظ ابن حجر في الإصابة فليرجع إليها من يشاء .

--> ( 1 ) قال ابن إسحاق : حدثني العباس بن عبد اللّه بن معبد بن عباس عن بعض أهله عن ابن عباس . . . ومثل هذا السند لا يعتبر صحيحا عند أئمة الحديث والرواية .